نتائج البحث

Cover art for feature: FEAT_0035
Highlights image for feature: FEAT_0035
Highlights image for feature: FEAT_0035
Highlights image for feature: FEAT_0035

مقالات

ظهور الموسيقى الشعبية السريانية وتداول الكاسيت في شمال شرق سوريا

كرستينا حزبون

مقدمة الخوض في تاريخ الموسيقى السريانية هو خوض في تاريخ الكنيسة السريانية، وفي تاريخ التهجير المأساوي للسريان والآشوريين في بدايات القرن العشرين، ودور أشرطة الكاسيت في نشر موسيقاهم خلال العصر التناظري. فقد رافقت الحركة المستمرة والتنقل مصائر فناني هذه الموسيقى، حيث أدت الهجرة التدريجية من سوريا وبلاد الشام إلى تناقص أعداد أقلية تاريخية كانت جزءا أساسيا من النسيج الثقافي والاجتماعي في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا (SWANA). من الأسباب التي ساهمت في انتشار الموسيقى السريانية (والآشورية، كما سيتضح لاحقا) جهود رواد موسيقيين مثل غابرييل أسعد (Gabriel Asaad)، نوري إسكندر (Nouri Iskandar)، جورج شاشان (George Chachan)، بول ميخائيل (Pol Mikhael)، وغيرهم، الذين أخرجوا الموسيقى من إطار الكنيسة إلى صالات الأعراس والمنتديات الاجتماعية، فجمعوا بين الروحاني واليومي، كما استخدموا شريط الكاسيت ليصل الغناء إلى نطاق أوسع. يرى معظم المؤلفين أن أصول التلحين الحديث تعود إلى الموسيقا ما قبل المسيحية، التي حُفظت عبر التراتيل الكنسية، وخاصة من خلال كتاب ܒܝܬ ܓܵܙܐ (بيت غازو / مستودع الألحان) (زيتون، 2015، ص 17). وقد استمر إرث الموسيقى السريانية والآشورية عبر انتشارها وتسجيلها على الأشرطة منذ ستينيات القرن العشرين. لا بد من توضيح مصطلحي "سرياني" و"آشوري" قبل التعمق في الموسيقى. فالسريانية ܣܘܪܝܝܐ (سرياني) هي لهجة من اللهجات الآرامية مرتبطة تاريخيا ببلاد ما بين النهرين. أما المصطلحات المتداولة بين المجتمعات فهي متعددة: آشوري، آشوري-كلداني، سرياني، أشوري (Ashury)، وغيرها، وكل منها يحمل دلالة حضارية أو دينية مختلفة (جرجور ت، ص 36). يستخدم عبود زيتون في كتابه "الموسيقى الآشورية الحديثة" مصطلح "آشوري" باعتباره مصطلحا جامعا لهذه الفروع. وفي هذه الدراسة سيُستخدم كل من "سرياني" و"آشوري" بحسب توصيف المتحدثين عن أنفسهم أو عن الموسيقيين الذين يذكرونهم. رغم أن السريان موجودون تاريخيا في بلاد الشام، فإن السريان في مدن مثل دمشق، حلب، حمص هم من سكان البلاد الأصليين، فيما جاء آخرون إلى سوريا في بدايات القرن العشرين من أورفا (Urfalla / ܐܘܪܦܠܐ)، دياربكر، ماردين، طور عبدين (Tur Abdin)، نينوى / الموصل واستقروا في شمال شرق سوريا، في منطقة الجزيرة، التي كانت تاريخيا جزءا من الإمبراطورية الآشورية (من القرن 21 إلى القرن 14 قبل الميلاد). بدايات الأغنية السريانية الحديثة ضمن التراث السرياني الأرثوذكسي، تؤكد جميع الوثائق والشهادات تقريبًا أنه حتى بدايات القرن العشرين «لم يكن هناك غناء للحب أو الفرح»، كما يقول عبود زيتون (Abboud Zeitoune)، مضيفًا: «لم يكن هناك سوى الكنيسة، والكنيسة كانت تمتلك إرثا غنيّا يضم ما يقارب سبعمئة لحن مدوّن»، وهي الألحان التي قام الموسيقي وعالم الموسيقى السريانية الراحل نوري إسكندر (Nouri Iskandar) بتدوينها. جاءت هذه اليقظة الموسيقية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كردّ فعل على تصاعد النزعات القومية في المنطقة، وأيضًا نتيجة لما يُعرف بحدث ܣܝܦܐ (سيفو أو الإبادة السريانية/الآشورية)، حين قامت القوات العثمانية، بمشاركة بعض القبائل الكردية، بترحيل جماعي وقتل الآلاف من المسيحيين السريان والآشوريين من جنوبي الأناضول ومنطقة أذربيجان الإيرانية. ساهمت كتابات وأفكار مفكرين مثل نعوم فائق (Naum Faiq) (1868–1930) وآشور يوسف (Ashur Yusef) (1858–1915) في بناء الهوية السريانية/الآشورية عبر منظور قومي حديث. وقد أصبحت قصائد نعوم فائق فيما بعد من الأسس التي استندت إليها التلحينات السريانية والآشورية الحديثة. ܒܝܬ ܓܵܙܐ (بيت غازو / مستودع الألحان) ودوره في النهضة الموسيقية يُعد كتاب ܒܝܬ ܓܵܙܐ (بيت غازو / مستودع الألحان) المرجع الأساسي للألحان الكنسية السريانية الأرثوذكسية. ويُقال إنه يجمع الألحان والترانيم منذ تأسيس الكنيسة السريانية الأنطاكية في القرن الأول للميلاد، حتى القرن الثاني عشر، حين توقفت إضافة ألحان جديدة إليه (غابرييل أسعد، ص 4). هذا السياق كان غابرييل أسعد (Gabriel Asaad) من أبرز الشخصيات الموسيقية في الموسيقى السريانية وتشير بعض المصادر إلى أنه جاء من ميتم سرياني شهير يُدعى بيت يتيمو دأثوريي بقلّيقية (Beth Yatme d-Othuriye b-Qiliqiya) في أضنة، حيث درس موسيقى كتاب بيت غازو. لُقّب غابرييل أسعد بـ «أب الموسيقى الآشورية الحديثة» و كان عاشقًا للموسيقى؛ استقر في القامشلي وإنتقل منها إلى فلسطين، سوريا ولبنان لتوسيع معرفته الموسيقية. ويقول الدكتور عويس أسعد (Oweis Asaad)، وهو ابن شقيق حفيد غابرييل، من القامشلي: «كان غابرييل مثل جدّي. أحب الموسيقى جدًا، وتنقّل بين المدن بحثًا عنها. لكن المجتمع لم يكن ينظر بعين الاحترام لمهنة الموسيقي، وهذا جعل مسيرته صعبة». تُشير بعض المصادر (زيتون، 2017، ص 31) إلى أن غابرييل سجّل اثنتين من أغانيه الأولية، وهما: «ܗܘ ܕܘܢܚܐ ܫܡܫܐ (Ho donḥo shemsho)» و «ܐܬ ܟܡܘ ܪܘܡ ܐܬ ܒܥܝܢ (Oth kmo rom at b‘ayn)» في فلسطين عام 1933، لكن لم يُعثر على أي تسجيلات لهما. كانت تجاربه وتعاليمه مصدر إلهام لجيل جديد من الشبان في القامشلي ومنهم من بدأوا بمحاولات تلحين جديدة مستندة إلى الإرث الكنسي. كان من بين هؤلاء: جورج شاشان (George Chachan)، جان كارات (Jan Karat)، جوزيف ملكي(Joseph Malke)، وآخرون. نشأة الكاسيت والحركة الثقافية في القامشلي يقول الدكتور أويس أسعد (Oweis Asaad): «القامشلي مدينة حديثة نسبيًا. لا يعود تاريخها إلا إلى بدايات القرن العشرين، وقد أسهم السريان والأرمن والأكراد في تأسيسها وازدهارها». كانت القامشلي، عاصمة منطقة الجزيرة آنذاك، مدينة يغلب عليها الطابع الآشوري، ومأوى للناجين من المذابح العثمانية من تركيا والعراق وأرمينيا. ومع وقوعها تحت الانتداب الفرنسي، تأسس فيها عام 1946 نادٍ رياضي واجتماعي على يد شكري شرموكلي سُمّي نادي الرافدين (نادي بيت نهرين – Nadi al-Rafidayn / Bethnahrin Association)، وأصبح مركزًا للتجمّع والنشاط الاجتماعي، ومنه انطلقت مجموعات الكشافة التي كوّنت لاحقًا أول فرقة موسيقية بقيادة بول ميخائيل (Pol Mikhael) سنة 1950. أثناء الحديث مع عبود زيتون (Abboud Zeitoune)، أوضح أن السريان كانوا يشعرون بحاجة ملحّة إلى أغنيات تعبّر عنهم، وأنهم كانوا يضطرون لاستئجار موسيقيين أكراد أو أتراك أو أرمن لإحياء حفلاتهم وأعراسهم، حيث كان كلٌّ يغني بلغته الخاصة. ومن هنا جاء الوعي بضرورة تأليف أغنية سريانية شعبية. بدأ موسيقيون مثل جوزيف ملكي (Joseph Malke) وجورج شاشان (George Chachan) بتلحين أغنيات سريانية بمشاركة آخرين من أبناء المنطقة وذلك بعد الدكتور أبراهام لحدو و وبول ميخائيل اللذان كانا من بين أوائل من قاموا بتأليف الأغاني الشعبية السريانية الحديثة. 1. أن تكون اللغة المستخدمة هي السريانية المحكية ܣܘܪܝܝܐ (السريانية الدارجة)، وليس السريانية الكنسية أو الفصحى. 2. أن تتناول الكلمات موضوعات الحياة اليومية، مثل الحب والفرح، لا النصوص الدينية فقط. 3. أن يكون اللحن والإيقاع قادرين على تحريك المستمع وجدانيًا. مهّدت هذه الأرضية الثقافية والاجتماعية لولادة ما يعتبره زيتون «أول أغنية فلكلورية سريانية حديثة»، عندما التقى الشاعر ܕܢܚܘ ܕܚܐ (دانحو دحو – Danho Daho) الذي كتب قصيدة بعنوان «ܟܡܝܣܐܘܪܝ ܠܩܠܝ (Kmisawri L quli)»، مع الموسيقار بول ميخائيل (Pol Mikhael) الذي قام بتلحينها عام 1968، وساهم في انتشارها. سجّلت هذه الأغنية على شريط ريل-تو-ريل (مسجل ١و بكرتين)، وتناقلها الناس شفهيًا ومن خلال النسخ اليدوية للأشرطة. عند سؤاله عن كيفية تعرف الناس إلى الموسيقى آنذاك، يجيب عويس أسعد: «كل شيء كان ينتقل شفهيًا. من شخص إلى آخر. لم يكن هناك استوديوهات تسجيل. كان في القامشلي محل كاسيت واحد فقط، اسمه استوديو الكندي (Al-Kindi Studio)، افتتح بداية السبعينيات. يسمونه "استوديو"، لكن لم يكن فيه تجهيزات تسجيل، بل مجرد محل ينسخ الأشرطة ويبيعها. يستكمل دكتور عويس في حديثه: «عندما يصل شريط جديد، يضعه صاحب المحل بصوت مرتفع كي يسمعه المارّة. إذا أحبوه، يشترونه. ومع انتشار السيارات، صار الناس يسمعون الأغاني المدوّية من السيارات في الشوارع، وهكذا نعرف أن هناك شريطًا جديدًا ظهر». يُضيف أسعد أنّ التسجيل بدأ خارج الاستوديوهات العالمية في الستينيات، بفضل انتشار أجهزة الريل-تو-ريل (مسجل ١و بكرتين) ثم الكاسيت. أما الاستوديوهات المنزلية فكانت بسيطة وغير احترافية. انتشار الأشرطة، الهجرة، وتداول الموسيقى عبر الشتات يواصل د. عويس أسعد (Oweis Asaad) شرحه لدور الأشرطة في نشر الأغنية السريانية قائلاً إن الاحتفالات الاجتماعية مثل عيد الأم أو رأس السنة السريانية في الأول من نيسان (ܥܐܐܬ ܕܐܟܬܐ - عيد اكيتو) كانت مناسبة لتشغيل أحدث التسجيلات. ويضيف أن موجات الهجرة من سوريا لعبت دوراً حاسماً: «كل من كان يسافر إلى ألمانيا أو السويد أو أمريكا أو أستراليا، كان يأخذ معه الأشرطة. هكذا انتشرت الأغاني خارج سوريا». يشير عبود زيتون كذلك إلى أهمية المنظمة الآشورية الديمقراطية، التي تأسست عام 1957، في تنظيم النشاط الثقافي ودعم تطوير الأغنية السريانية والآشورية. اعتمدت المنظمة على كلمات وألحان شعراء وملحنين مثل أبرهوم لحدو (Abrohom Lahdo)، نينوس آحو (Ninos Aho)، وغابرييل آدا (Gabriel Ada). وحصلت محاولة تسجيل جماعي في بيت عازل للصوت عام 1967، لكنها لم تنجح بالشكل المطلوب. ولم يتحقق الانتشار الكبير حتى صيف 1968 عند ظهور أغنية «شامو مار (Shamo Mar)» بصوت حبيب موسى (Habib Mousa)، والتي سُجلت في منزل غورييه (سليبا) حنا – Gawriye (Saliba) Hanna، تحت إشراف مهندسي الصوت إلياس وعيسى، اللذين كانا يديران استوديو الكندي (Al-Kindi Studio) في القامشلي. شكلت تلك الأغنية نقطة تحوّل، إذ جعلت من الأغنية السريانية الشعبية ظاهرة مسموعة في سوريا للمرة الأولى. التأثير المتبادل بين سوريا والعراق من المهم الإشارة إلى الروابط الثقافية والموسيقية بين السريان/الآشوريين في سوريا والعراق. في مقابلة مع عبود زيتونة، ذكر تأثير الفنان والموسيقي الآشوري العراقي ألبرت روئيل تمرس (Albert Ruel Tamras) (1944–2011)، الذي انتشرت أغانيه عبر الإذاعة والتلفزيون الآشوري في بغداد وكركوك خلال سبعينيات القرن العشرين. سجل ألبرت تمرس ثلاثة عشر أغنية قرابة عام 1966 في استوديو عائلي يملكه الموسيقار الآشوري جميل بشير (Jamil Bashir) في بغداد، على أسطوانات 45 دورة لصالح شركة Bashirphone (سابقًا Ashtarphone). وأصبحت هذه الأغاني مصدر إلهام مهم لسريان القامشلي وسوريا عمومًا، لتطوير موسيقاهم الخاصة. صوت المرأة الغائب... ثم الحاضر من الملفت للنظر أثناء تتبع بدايات الأغنية السريانية الحديثة، غياب ذكر النساء في معظم الروايات. يفتح هذا أسئلة حول أغاني الأمهات لأطفالهن (التهاليل)، وحول تهويدات الأطفال بالسريانية أو ما يعرف بالانجليزية بال lullabies. طرحت هذا السؤال على عويس أسعد، فأجاب بأن والدته سهان أسعد سجّلت أغنيتين من كلمات الشاعر دانحو دحو وألحان جورج شاشان في سبعينيات القرن العشرين. وأخبرته أن التسجيل تمّ في بيت طيني بعيد، لأن هذه البيوت كانت أفضل لعزل الصوت. ووقف كل موسيقي في زاوية من الغرفة، وجرى ضبط وضعية الميكروفونات يدويًا. أما عبود زيتون، فيروي رواية مختلفة. يقول: «قبل عام 1916، كانت الأمهات يغنين لأطفالهن بالكردية أو التركية. ويروى أن أحد الأساقفة السريان[وهو الراهب يوحنا دولاباني الذي أصبح فيما بعد أسقف ماردين] رأى أماً تغني لطفلها بالكردية، فتأثر، وكتب ترنيمة أمومية بالسريانية». كما يذكر أن جورجيت أرسان كبّابة (Georgette Arslan Kababe) غنّت تهويدة سريانية، سجّلت على أسطوانة في عام 1974 على شركة Izla-Fon، وهي شركة أسسها غابرييل أسعد، نسبةً إلى فرقة Izla الفنية في القامشلي. كان اللحن لغابرييل أسعد، والكلمات للشاعر فيلوكينوس يوحانون دولاباني (Philoxenos Yuhanon Dolabani). يضيف زيتون أن هناك أيضًا أغاني موسم الحصاد التي أدتها الفنانة جوليانا جندو (Juliana Jendo) في ألبومها «Wardeh Deesheh»، ويقال إن بعض هذه الأغاني عمره أكثر من خمسمائة عام. كما أن أقدم أسطوانة فينيل تم العثور عليها في ذخيرة الموسيقى الآشورية الشرقية تعود إلى عام 1917 تتضمن أصوات الزوجين يوسف وآنا يونان (المولودين عامي 1893 ,1897 في أورميا/إيران على التوالي). أتذكر سماعي صوت مالفونيثو إيفلين داود (1935-2003) الذي لا يُنسى على شريط كاسيت في منزل صديق فلسطيني سوري في باريس عام 2022. إلى جانب مجموعات الكاسيت الخاصة، لا تزال بعض تسجيلات صوتها موجودة على أشرطة من سبعينيات القرن الماضي وعلى الإنترنت. وتُعتبر إيفلين أول امرأة سريانية تغني باللغة السريانية عام 1951، وبحكم إقامتها في القامشلي، شاركت في الغناء مع فنانين كبار مثل حبيب موسى. تنوعت أغانيها بين الترانيم الدينية والأغاني الشعبية (من ناحية الكلمات، لم تغنِ إلا الأغاني الوطنية)، ولكننا نجد أن معظم الأعمال الموسيقية الشعبية للنساء السريانيات والآشوريات تأتي من العراق ولبنان والشتات. يبدو واضحًا من تتبع تاريخ الأغنية السريانية الحديثة أن حضور المرأة بقي هامشيا (أو مهمشا) أو غير موثق، رغم وجود مشاركات حقيقية في الواقع. إذ تشير بعض الشهادات، مثل مقابلة الباحثة/الكاتبة مع غابرييل أيدين (Gabriel Aydin) حول الموسيقى في طور عبدين، إلى أن هناك جوقات مختلطة من رجال ونساء في الكنائس السريانية. وتشير قصة سهان أسعد (والدة عويس أسعد) التي سجّلت بعض الأغاني في سبعينيات القرن العشرين، وقصة جورجيت أرسان كبّابة إلى أن النساء كنّ جزءًا من سياق موسيقي حيّ، وإن بقي خارج التوثيق الرسمي. لكن الشخصية الأبرز التي ارتبطت بالأغنية السريانية الشعبية النسائية هي بلا شك جوليانا جندو (Juliana Jendo). وُلدت جوليانا جندو عام 1956 وتنحدر عائلتها من نينوى في العراق، ثم استقرت في تل تمر ومن بعدها في الحسكة بمنطقة الجزيرة السورية. وكحال كثير من العائلات السريانية والآشورية، هاجرت عائلة جندو لاحقًا إلى الولايات المتحدة، واستقرت في شيكاغو خلال الثمانينيات. في مقابلة مع رودا نازانين (Rhoda Nazanin) على بودكاست Assyrian Podcast، تحدّثت جندو عن نشأتها في بيئة مسيحية محافظة، ودراستها في مدرسة فرنسية خلال فترة الانتداب الفرنسي على سوريا. وكان أول ظهور علني لها في حفل مدرسي وهي في الثانية عشرة من عمرها، وتم بثّ الحفل على التلفزيون، ما جذب إليها الأنظار وشجع الملحنين والشعراء على التواصل معها. وعلى الرغم من موهبتها، واجهت جندو معارضة اجتماعية بسبب النظرة التقليدية إلى الغناء كمهنة غير "محترمة" للنساء في المجتمع الآشوري والسرياني. لكنها حصلت على دعم أساسي من والدها، مما سمح لها بالظهور في الحفلات العامة. أول ألبوم لها، بعنوان "مرديتا" (Mardita)، صدر عام 1987 على شريط كاسيت. أخذت جندو الشريط بنفسها إلى الإذاعة الآشورية في شيكاغو، وتم بثّه، ليصبح سريعًا من أشهر الأشرطة في أوساط الجاليات السريانية والآشورية. أصبحت حفلاتها مطلوبة في الأعراس، أعياد الميلاد، رأس السنة، عيد الميلاد، وغيرها من المناسبات. وقد ساهم انتقال جندو بين الجاليات الآشورية في الولايات المتحدة وأوروبا في نشر لهجتي ܣܘܪܝܝܐ (السريانية) والآشورية الحديثة، إذ كانت مدركة للفروق بين اللهجتين، ما دفعها إلى تعلّم كل منهما بعمق. وعندما تواصل معها المخرج والمنتج جون هومي (John Homeh) من حمص، وطلب منها تأدية دور في أول فيلم ناطق بالسريانية بعنوان "Wardeh Deesheh" (وردِه ديشيه – الزهور المداسة)، وافقت. وكان الفيلم، الذي صدر عام 1991 دراما رومانسية مستقلة، وأصبح أشهر فيلم آشوري. شارك فيه جورج هومي (George Homeh) في دور "نينيب"، وجسدّت جندو شخصيتين: "نينوى" و"نينا". عالج الفيلم قضايا مثل: الفروق الجندرية وأدوار المرأة، الاغتصاب، الحنين إلى الوطن، الصراع بين المحافظة والانفتاح في المهجر. جرى إصدار أغاني الفيلم لاحقًا على شريط كاسيت عام 1993، وانتشرت على نطاق واسع بين أبناء الشتات. أسهمت سهولة نسخ الأشرطة ورخص ثمنها وصغر حجمها في انتشارها. وتروي جندو أنه أثناء العمل على ألبومها الثاني "خطر عيناتوخ" (Khatar Aynatoukh)، من ألحان إدوارد موسى (Edward Mousa)، أصبح الشريط يُسمع في حافلات النقل العام في العراق، رغم أنها لم تكن هناك. كما أصدرت جندو ألبومًا للأطفال، بعنوان "زهرة آشور" (Flower of Assyria)، يضم تهويدات وأغاني أطفال بالسريانية والآشورية. وعقبت جوليانا قائلة: «في ذلك الوقت لم تكن هناك أي أغاني للأطفال بلغتنا». وعلّقت مقدّمة البودكاست، رودا نازانين، بقولها إنها لأول مرة شعرت أنها تستطيع أن تقول «عيد ميلاد سعيد» بلغتها الأم. الخاتمة: الكاسيت كحامل للذاكرة والهوية من المراكز الاجتماعية إلى الإذاعات المحلية، ومن السيارات والحافلات إلى محال نسخ الأشرطة البسيطة، شكّل شريط الكاسيت منذ ستينيات القرن العشرين وحتى تسعينياته الوسيط الأهم لنقل الأغاني والموسيقى السريانية والآشورية. لقد حمل الأصوات، واللهجات، والمشاعر، ونقلها عبر الجغرافيا، من القامشلي والحسكة وحلب، إلى ديترويت، وشيكاغو، وستوكهولم، وأماكن أخرى في الشتات. ويمكن القول إن شريط الكاسيت، خلال العقود الممتدة بين 1960ات وال 1990 ات لم يكن مجرد وسيط صوتي، بل تحوّل إلى: وسيلة لحفظ اللغة السريانية (ܣܘܪܝܝܐ) والآشورية؛ أداة لتثبيت الهوية الثقافية في وجه التهجير والنسيان؛ قناة لتداول العاطفة، والحنين، والذاكرة الجماعية؛ مساحة فنية خارج احتكار الدولة أو الكنيسة أو شركات الإنتاج الكبرى. لقد سمح الكاسيت لفنانين/ات غير محترفين/ات، أو غير معترف بهم/ن مؤسسيًا، أن يسجلوا وينشروا أعمالهم/ن. وسمح للعائلات المهاجرة أن تحمل معها صوت البيت الأم، بصيغته الغنائية والشعبية، بعيدًا عن التراتيل الكنسية فقط. * ثمة فرق بين الآشوريين الشرقيين والغربيين. سيتناول هذا المقال بشكل أساسي الآشوريين الغربيين (السريان). ولأغراض هذا المقال، سأستخدم مصطلح "الآشوريين/السريان" كمصطلح شامل وموحد. المراجع الكتب والمصادر العربية والإنكليزية: أسعد، غابرييل، (1990). الموسيقى السورية عبر التاريخ. أسعد، سردانابال (2023). تاريخ الموسيقى السريانية. المدرسة السريانية الإلكترونية. Hazboun, Christina (2022). Syriac Christmas Hymns and Chants feat. Gabriel Aydin Musical Musings. Jarjour, Tala (2018). Sense and Sadness: Syriac Chant in Aleppo. Oxford University Press. Zeitoune, Abboud (2015). Modern Assyrian Music. Germany. Zeitoune, Abboud. مقابلة شخصية عبر تطبيق زووم. آذار/مارس 2022.  Asaad, Oweis. مقابلة شخصية. القامشلي، آذار/مارس 2022. Nazanin, Rhodah (2020). Juliana Jendo. The Assyrian Podcast. موقع قيناثا (Qeenatha) Hazboun, Christina. Syriac Christmas Hymns and Chants. Stegi Radio

كرستينا حزبون

كرستينا حزبون كاتبة وباحثة وممارسة ثقافية مستقلة، تعمل في مجالات النصوص والصوت والإذاعة والموسيقى، حيث تحيك الفضاءات الصوتية لإبراز ما هو مهمش ومقموع ومهموس. تعمل تحت مظلة "الوكيلة الصوتية" "The Sonic Agent"، حيث تُنظم فعاليات وجولات حية لتعزيز حضور الموسيقى والأصوات من منطقة جنوب غرب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتسعى نصوصها وأعمالها الصوتية والإذاعية إلى توثيق الموسيقى والمشاهد الصوتية الفلسطينية، من خلال مسارات استكشافية صوتية، بالإضافة إلى التركيز على الإبداعات الموسيقية في منطقة جنوب غرب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتُبث أعمالها الصوتية على منصات مثل "ستيجي راديو" و"راديو الحارة" و"كالتشر ريسورس". أما نصوصها فهي محفوظة رقمياً وورقيا على منصات ودور نشر مختلفة منها Bandcamp، وThe Guardian، وThe Quietus، ومجلة Herri، وBloomsbury Press، وMiddle East Eye، وThe New Arab العربي الجديد، وفي عدد "Trigger" وغيرها.