Cover art for feature: FEAT_0026
Highlights image for feature: FEAT_0026

بقعة ضوء

أربعة أشرطة لـ حسين الحسن

دلوعة

ورده

شمامة

يا بو خديد الورد

وُلد حسين الحسن في ريف مدينة القامشلي، وتحديدًا في إحدى قرى ناحية القحطانية في الجزيرة السورية. نشأ في بيئة يغلب عليها الطابع الريفي البسيط، حيث كانت الموسيقى جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، ترافق الفرح والعمل والمواسم. من خلال هذه الأجواء الغنية بالتنوّع الثقافي واللهجات المتعددة، بدأ الحسن يكوّن ذائقته الموسيقية ويستمع إلى الأصوات الشعبية الكردية والعربية التي أثّرت لاحقًا في أسلوبه الخاص. مع مطلع التسعينيات، بدأ اسمه يبرز في الأعراس والحفلات الشعبية المنتشرة في القرى والمدن الصغيرة. امتاز بصوتٍ قوي وإحساس فطري مكّناه من أداء الأغاني الجزراوية بأسلوب مميّز، إذ كان يمزج بين الإيقاعات الكردية والكلمات العربية البسيطة، ليخلق لونًا موسيقيًا خاصًا به يجمع بين الموروثين الثقافيَّين في المنطقة. كان حسين الحسن معروفًا أيضًا بأدائه الجميل للـ موال والعتابا والسويحلي، وهي ألوان غنائية تعبّر عن وجدان أهل الجزيرة، وتُظهر قدرته على التحكم بالنَفَس والعُرب الصوتية، مما أكسبه احترامًا خاصًا بين محبّي الغناء الشعبي في القامشلي والحسكة والمناطق المجاورة. منذ منتصف التسعينيات وحتى عام ٢٠٠٧، ظلّ حسين الحسن حاضرًا في المشهد الشعبي المحلي، مشاركًا في حفلاتٍ كثيرة ومسجّلًا عددًا من الأشرطة التي انتشرت على نطاق واسع. بعد ذلك، بدأ يبتعد تدريجيًا عن الساحة الفنية دون إعلانٍ رسمي، فغاب صوته لسنوات قبل أن يعود بعد جائحة كورونا في بعض الحفلات المحدودة، في إطلالة حملت شيئًا من الحنين والودّ لجمهوره القديم. أما في عام ٢٠٢٥، فقد أعلن اعتزاله النهائي لأسباب صحية، منهيًا بذلك رحلة فنية امتدّت لأكثر من خمسة عشر عامًا، ترك خلالها بصمة واضحة في الذاكرة الشعبية لأبناء الجزيرة. ورغم غيابه، بقي صوته حاضرًا في التسجيلات التي ما زال الناس يتداولونها حتى اليوم، شاهدًا على مرحلة موسيقية صادقة تمزج بين البساطة والوجدان. نستعرض في هذه القائمة أربعة من تلك الأشرطة. حسين الحسن ريما يُعد شريط ريما، الصادر عن تسجيلات أصوات آسيا عام ١٩٩٨، من أبرز وأشهر أعمال حسين الحسن. يشارك في العزف ضمن هذا التسجيل كلٌّ من عنتر أبو كاوة على البزق وفرج العلي على الأورغ، ما يمنح الأغاني مزيجًا مميزًا بين الطابع الشعبي الجزراوي والإحساس الكردي العميق. يُعرف هذا الشريط بين جمهور المنطقة على نطاقٍ واسع، حتى يكفي أن تقول “تبَع ريما” ليعرف المستمع تمامًا من المقصود. يفتتح الشريط بموالٍ شجيّ يمهّد لقصة حب من واقع الحياة في الجزيرة السورية، حيث يتقاطع العشق مع العادات والأقارب والاعتراضات. بصوته الدافئ وأسلوبه السردي، يجعل حسين الحسن المستمع يعيش تفاصيل الحكاية، وكأنه يرويها له شخصيًا، على أنغام تمتزج فيها الإيقاعات الكردية بالموسيقى الشعبية المحلية. حسين الحسن شماشمه جوبي كما في معظم تسجيلاته، يفتتح حسين الحسن هذا الشريط بمقطع موال أو عتابا يمهّد للأجواء الغنائية اللاحقة، ويُظهر سيطرته على المقامات الشعبية وأسلوبه السلس في الانتقال بين الجمل الغنائية. في شماشمه جوبي، يقدّم الحسن لونًا جزراويًا خالصًا، يعتمد على الإيقاعات البسيطة والآلات القليلة، ما يمنح التسجيل طابعًا قريبًا من حفلات الأعراس الشعبية في تلك الفترة. ينتمي هذا الشريط إلى مرحلة ازدهار الكاسيت في الجزيرة السورية، حين كانت التسجيلات تنتشر بسرعة بين المدن والقرى. لم يكن انتشار موسيقى حسين الحسن محصورًا في الحسكة والقامشلي، بل تعدّاها إلى معظم المحافظات، إذ كان أبناء الجزيرة المنتشرون في الخدمة العسكرية أو العمل خارج المنطقة يحملون معهم أشرطته أينما ذهبوا. يكفي أن يُسمع أحد مقاطع شماشمه جوبي في أي مكان حتى يستحضر المستمع رائحة الأرض وصوت الأعراس البسيطة التي شكّلت خلفية حياتهم اليومية. حسين الحسن جلسة خاصة (عتابا وسويحلي) كما يوحي عنوان الشريط، يركّز هذا التسجيل على لوني العتابا والسويحلي، وهما من أبرز ألوان الغناء الشعبي في الجزيرة السورية. يشكّلان معًا الذاكرة الصوتية لأبناء المنطقة الذين اعتادوا سماعهما في الجلسات والسهَرَات الريفية. في هذا الكاسيت يقدّم حسين الحسن أداءً صادقًا وبسيطًا، لكنه في الوقت نفسه يحمل خصوصيته، إذ يضفي على العتابا نغمة حزينة رقيقة، ويُقدّم السويحلي بإيقاع متزن يوازن بين الفرح والشجن. ترافق صوته في هذا التسجيل مجموعة من الآلات الخفيفة مثل الناي والربابة والطبلة، ما يمنح الجلسة طابعًا حميميًا قريبًا من الأداء الحيّ، كما لو كانت جلسة غنائية خاصة بين الأصدقاء. يظهر من جودة التسجيل وطابعه أن العمل يعود إلى تسجيلات صوت الحافظ، وهو ما يتماشى مع طبيعة الإنتاجات المحلية التي كانت توثّق جلسات الفنّانين بأسلوب عفوي وغير متكلّف. فنانون متنوعون مهرجان الفرات الجزء ٣ تُعد أغنية وردة وردة من أشهر أعمال الفنان حسين الحسن وأكثرها انتشارًا في سوريا، حتى تجاوز صداها حدود الجزيرة السورية ووصل إلى شمال العراق. كانت هذه الأغنية بمثابة نقطة انطلاق حقيقية لمسيرة الحسن، إذ شكّلت تعريفًا واسعًا باسمه لدى جمهور الأغنية الشعبية. تميّزت وردة وردة بمزجها بين الكلمات العربية البسيطة والألحان الكردية، ما جعلها قريبة من وجدان جمهور متنوّع ثقافيًا ولغويًا في المنطقة. وبفضل هذا المزيج، أصبحت الأغنية مألوفة لدى فئات مختلفة من الناس، خصوصًا سائقي سيارات الأجرة والمكروباصات الذين ساهموا بشكل كبير في انتشارها اليومي في شوارع المدن السورية والعراقية. تظهر الأغنية كمساهمة حسين الوحيدة في هذا الشريط التجميعي الآتي من منطقة الجزيرة.

مصطفى العبد

مصطفى العبد كاتب وباحث مهتم بالموسيقى وثقافاتها، يكتب مقالات ودراسات موسيقية تُعنى بالتحليل والتوثيق واستكشاف الأبعاد الثقافية والجمالية. يدرس حاليًا الأمن السيبراني، ويجمع في اهتماماته بين البحث الموسيقي والاهتمام بالتقنية والمعرفة المعاصرة.

نتائج البحث