


بقعة ضوء
ثمانية أشرطة لمغنين أطفال من أرشيفنا
علي ديوب ـ دلعونا
أوراس - شلون يا بويا
منذر الأمير - طل الفجر
هدوان خازم - حصود
أحمد نجاح - صابر على بلاوي
محمد العلي - يا زين تمشي
زين العابدين - مدلّل
عبد الله الغريب - أغنية من غير عنوان
لم تكن ظاهرة الأطفال المغنين جديدة على مشهد الموسيقى الشعبية في بلاد الشام والعراق، إذ بدأ العديد من المغنين مسيرتهم من سن الطفولة أو المراهقة، واحتفظت لهم الأرشيفات الرقمية والملموسة بالعديد من التسجيلات التي وثق بدايات صوتهم الغض والفتي قبل أن تصقله الخبرة وينحته العمر. لكن النجاح المدوي لجورج وسوف الطفل في الثمانينات حول هذه الظاهرة إلى هوس. دأبت شركات التسجيل من جنوب سوريا إلى شمالي العراق بالبحث عن الطفل المعجزة القادم، وأصبحت متاجر الكاسيتات من الثمانينات المتأخرة وحتى مطلع الألفينات مزدحمة بتسجيلات لمغنين لم تنبت شواربهم بعد. تركت تلك الحقبة أثرها على أرشيفنا، الذي يوثق هذا الانتشار الحاد وقصير العمل للمغنين الأطفال عبر المنطقة. تمزج هذه التسجيلات بين مرونة وسعة نفس المغنين وبين التنافر الطريف بين أعمارهم اليافعة والتعقيد (وأحيانًا الجرأة) العاطفي لما كانوا يغنوه. نمر في هذه القائمة على ثمانية أشرطة ترسم ملامح حقبة البحث عن الوسوف المقبل، وحالات النجاح العديدة التي صادفتها هذه المحاولات قبل أن يقاطعها التقدم بالعمر ومشاغل الحياة التي عادةً ما اغتالت مسيرة العديد من هؤلاء المغنين مع دخولهم سن العشرين. علي ديوب أفراح عقرب كان علي ديوب أحد أكثر المغنين الأطفال غزارةً في الإنتاج في سوريا خلال التسعينات. صدرت له العديد من الكاسيتات من أداءاته في حفلات وأفراح شعبية، وعاش بضعة منها ليصل لأرشيفنا. امتازت أشرطة علي بصوته الجبّار نسبةً لعمره، ما مكنه من أداء مووايل وعتابات ودبكات صعبة ومتحدية. منحته لهجته الحموية قرابة موسيقية مع الوسوف، وحاول تتبع خطاه بأسلوب غنائه رغم اختياره لأصناف موسيقية مختلفة، مركزًا على الشعبي على حساب الطرب. يجد هذا الشريط علي ديوب في ذروته عام ٢٠٠٠، لا يزال صوته يحمل نعومة وقوّة فتيّة، فيما اكتسب ما يكفي من الخبرة والتمرس لإخراجه من خانة المغنين المبتدئين. يرافقه كيبورد غليظ وإيقاعات صاخبة يليقان بنطاقه الصوتي الواسع، فيما يمر على مجموعة من كلاسيكيات الدبكة والعتابا من تلك المرحلة. عبد الله الغريب عتابات برز اسم عبد الله الغريب كطفل معجزة في مدينة البصرة العراقية في نهاية التسعينات، وعلمت تسجيلاته المبكرة بداية مدويّة لمسيرة استمرت بعد حدود الطفولة والمراهقة. على خلاف المغنين الأطفال في سوريا الذين حمل صوتهم بهجة فتية، كان الغريب وفيًا للشجن العراقي، وطوّع نعومة صوته لبلوغ درجات أعلى من العمق العاطفي بدلًا من الخفّة الراقصة. يرصد هذا الشريط البداية الواثقة للنجم الشاب، ولا يزال مستمعوه يعودون إليه حتى اليوم باعتباره حجر زاوية في أرشيفه المسجّل. زين العابدين فلكلور شامي رغم بداياته المبهرة طفل معجزة في التسعينات، لم تعبر مسيرة المغني اللاذقاني زين العابدين حاجز البلوغ، وأصبحت تسجيلاته أكثر ندرة مع تقدمه بالعمر حتى انقطاعها تمامًا حول بلوغه نهاية المراهقة. مع ذلك، يوثق هذا الشريط وسواه مغنٍ يفوق عمره بسنين من حيث التمرس، والأهم من ذلك من حيث النس والروح. بينما لا تخلو أداءاته لكلاسيكيات شامية مثل عالياني ومدلل من سذاجة طفولية محببة، إلّا أنها تنضح بمتعة يسهل الإدمان عليها عبر تقديمه تلك الكلاسيكيات المألوفة بنعومة وحرارة جديدة، ما يجعل هذا الشريط من درر أرشيفنا التي نعود لزيارتها باستمرار. محمد العلي يا زين تمشي دلع لبضعة سنوات خلال التسعينات، كان الطفل الحمصي محمد العلي الأكثر ترجيحًا أن يتحول إلى ظاهرة فنية كاسحة على خطى الوسوف، قبل أن يتضاءل حضوره وإنتاجه الفني مع دخوله العشرينات حتى يختفي بشكلٍ شبه تام. كان العلي من أكثر المغنين كثافةً بالإنتاج من جيله، تاركًا خلفه ما يقدر بعشرات الأشرطة وصلنا منها العديد، توثق أداءه الجزل وحضوره السابق لعمره لبعض من أصعب العتابات. يشير مقدم الحفل في مطلع هذا الشريط إلى أن قاعدة مستمعي العلي كانت تبلغ الملايين، وبالاستماع إلى أداءه الواثق خلال الشريط يسهل تصديق ذلك. أحمد نجاح كوكتيل إنسى الصار يوثق هذا الكاسيت مسيرة أخرى قاطعها الزمن في مرحلة مبكرة، ولم يتبق منها سوى تسجيلات نادرة ومواد أرشيفية من ظهورات تلفازية في برامج المواهب الشابة. إلا أن هذا الانقطاع المبكر لا يقلل من متعة هذا التسجيل للمغني العراقي الطفل أحمد نجاح، الذي يسبر خلاله قائمة غزيرة من الأغاني العراقية الرائجة المغمورة على السواء من تلك الحقبة، ويغلف شجنها وحزنها بطبقة حريرية من الغناء العذب، تمنحنا فكرة على كيف من الممكن أن تبدو عليه الموسيقى العراقية لو لم يدخن معظم مؤديها ثلاثة باكيتات سجائر في اليوم. هدوان خازم مينو لغيرك ينحدر هدوان خازم من أسرة متمرسة في الموسيقى الشعبية في حماة، استثمرت به كمشروع طفل معجزة خلال التسعينات، حيث كُتِبت ولُحِّنت الأغاني خصيصًا لصوته الفتي، حُجِزت له صالات الأداء الكبيرة والفرق المتمرسة، وسَجّل مجموعة من أجمل أشرطة المغنين الأطفال خلال تلك الحقبة. قرر هدوان لاحقًا الابتعاد عن الغناء والتخصص في عزف الكيبورد، ليصبح أبرز العازفين الذين قدمتهم حماة لمشهد الموسيقى الشعبية خلال الألفينات. منذر الأمير صاحت ظلموني بين أشرطة القائمة، يبرز هذا الكاسيت لمنذر الأمير كاستثناء من القاعدة، حيث لم يطوّع صوته الفتي لتقديم أداءات طريّة وناعمة، إنما بحث في أعماق حنجرته عن أكثر أساليب الغناء خشونةً، لينتج في طفولته ومراهقته شرائط يصعب من سماعها تخمين العمر الفتي وراءها. لكن كغيره من فناني القائمة، لم تعش مسيرة منذر بعد فترة المراهقة، وتبقى منها بضعة أشرطة تسعيناتية توثق أداءاته المبكرة والوحيدة. أوراس أوراس نستمع هنا إلى تسجيل يعود لعام ١٩٩٣ للمغني العراقي الطفل أوراس، الذي انتهت مسيرته أيضًا في نهاية فترة المراهقة. يتضح مدى جديّة استثمار شركة التسجيل بموهبة أوراس من التوزيع الهوائي المتكامل وجودة التسجيل العالية نسبةً لوقت صدور الكاسيت، حيث ترافقه فرقة وترية وإيقاعية ويتبعه كورال رجالي يجامل نعومة صوته، بينما يقود أوراس سلسلة أغانٍ سهلة الإدمان بصوتٍ متهدج ومتماوج يبدو كزورق يعبر نهرًا هادئًا في الفجر.
عمار منلا حسن
عمار منلا حسن هو باحث وصحفي موسيقي سوري. يعمل حاليًا كرئيس تحرير مجلة رولينج ستون مينا.