نتائج البحث

Cover art for feature: FEAT_0030
Highlights image for feature: FEAT_0030

بقعة ضوء

أربعة أصوات عتابا نسائية من الأرشيف

لمى الفراتية - علامك يا أسمر

هناء سلوم - عتابات

سناء الحسين وكوثر منصور - خطابة

كوثر منصور - عتابات

نشأ فن العتابا في البيئات الريفية والبدوية، وكان يُتداول في السهرات والأمسيات الضيقة أو في مناسبات الحزن والفقد، وضمن تنويعات مختلفة بين الهجاء والرثاء والغزل، وغالبًا ما يؤدّى بمرافقة الربابة. ولمن لا يعرف العتابا، فهي شعر زجلي رباعي ينظم على البحر الوافر (مفاعلتن مفاعلتن فعولن)، ويتألف من أربعة أشطر: الثلاثة الأولى منها تتفق في اللفظ وتختلف في المعنى، أما الشطر الرابع فيأتي بقافية مغايرة. ارتبطت العتابا تاريخيًا، كالعديد من قوالب الغناء الشعبي الأخرى، بالرجال، لدرجة أن الرواية الأشهر التي تسرد أصول هذا اللون الغنائي تحيله إلى رجلٍ وقع بحب امرأة اسمها عتابا وراح يغني لها. ومن هذه الفرضية التي تحولت بفعل الزمن والتكريس إلى مسلمة، قادني الفضول والتنقيب في أرشيف الكاسيت السوري للبحث عن أصوات نسائية في هذا العالم، ولا بد لرحلة من هذا النوع أن تترافق مع استكشافات أخرى حول السياقات المجتمعية المحيطة بالموسيقى الشعبية في سوريا. تتصل الحفلات والأعراس الشعبية بصورة مباشرة بالهوية المناطقية الشعبية السورية، أو بالأحرى بتلك البيئات المهمشة التي ينظر إليها غالبًا بنوعٍ من الاحتقار الطبقي أو الإقصاء الثقافي، والتي ترتبط في الذهنية المحافظة المتمدنة بشكلٍ من الأشكال بعالمٍ سفلي ليلي هو عالم المقاصف والكازينوهات، هذا الفضاء الذي يفرض حضوره وامتداده وتوسعه نوعًا من إعادة الاكتشاف والقراءة. ولأن الفن على العموم ليس شيئا جماليًا وليس قائمًا بحد ذاته، فإن قراءة الظواهر الفنّية تتصل بما قبلها وما بعدها وما هو مزامن لها. من هؤلاء النساء كثيرات ممن سطع نجمهن وأصبحن أيقوناتٍ ضمن عالم الشعبي السوري، مثل فريحة العبد الله، نجمة التسعينات التي تربعت على عرش الأغنية الشعبية، ومؤدية العتابا المبهرة التي استطاعت عبر سنوات تجربتها أن تتجاوز الصورة النمطية للـ "حجيات" التي حشر المجتمع المحافظ المغنيات الشعبيات فيها، وتحصل على لقب أوسع دلالة وأكثر إنصافًا لمسيرتها ألا وهو مطربة البادية. تلتها سارية السواس التي اخترقت تلك الحواجز الهامشية لتصبح نجمة الأغنية الشعبية الراقصة، في الحفلات الهامشية وفي عالم الترف والثراء على حدٍّ سواء. فتحت مغنيات مثل فريحة وسارية الباب أمام نساءٍ عديدات غنّين ألوان العتابا والموليا والبوب الشعبي، وتوزّعن على مختلف الجغرافيا السورية، من حفلات الساحل السوري وسهل الغاب إلى حلب وحمص وصولًا إلى منطقة الجزيرة. حملت هذه المغنيات قالب العتابا وأدّينه في مناسبات اجتماعية متنوعة، فصارت أصواتهن جزءًا من الذاكرة الشعبية. يكشف هذا التوزع كيف شكّلت العتابا النسائية خريطة غنائية واسعة، تحمل بصمات المكان، وتمنح لكل منطقة في سوريا طابعها الخاص في الأداء والموضوع. نستكشف في هذه القائمة أربعة أصوات نسائية سورية في العتابا، بتوزعها الجغرافي وتنوّعها الأسلوبي. لمى الفراتية الأشرطة: عتابات - سويحلي - لكاحي تكاد المعلومات تنعدم عن بدايات لمى الفراتية وتسجيلاتها، تلك المرأة التي اختارت لنفسها كنية تشير بشكل واضح وصريح إلى المكان الذي تنحدر منه، في نوعٍ من الاعتداد بالهوية الثقافية المكانية وخصوصيتها وتجذرها. انتشر أول تسجيل للمى في أواخر التسعينيات وبداية الألفينات عبر تسجيل حي نادر، لتبقى مسيرتها غامضة رغم الأثر اللافت لصوتها المتهدج المشبع بالشجن والأنين، الذي يمتد تارة وينكسر تارة أخرى كما لو أنه عويل مكبوت. غنّت لمى أجناسًا شعبية غالبًا ما تتجاور ضمن الباقة الواحدة، مثل العتابا والسويحلي، وأضافت إليها طابعًا خاصًا بجغرافيا الفراتين هو الجوبي. في شريطها الوحيد المحفوظ في الأرشيف، يظهر صوتها كصرخة أنثوية تسعى إلى تثبيت حضورها عبر ساحة العتابا، تتغزل برجلها القوي "الأسمر" و"أبو شامة" الذي عادةً ما يحمل مسدسًا على خاصرته، وحين يتخفف من سلاحه تباغته لمى في السؤال الذي يندس بين شطرين من الغزل والرجاء: "يول يا دادا وين المسدس؟" تفتتح لمى التسجيل بموّال علامك يا أسمر، حيث تتقاطع لهجتها الجزراوية الواضحة مع خطاب عتابي يراوح بين المناجاة والبكاء والوقوف على الأطلال، تمتد هذه الوصلة قرابة تسع عشرة دقيقة لتشغل ثلاثة أرباع الوجه الأول للشريط في طول غير مألوف، ترافقها موسيقى الأورغ والكمنجة الكهربائية، لتصنع مزاوجة بين الطابع التراثي للعتابا الفراتية والبوب الصاعد آنذاك. تعيد لمى صياغة غزلها بالرجل القوي من زاوية أخرى في أغنية الليلة بكى الحلو، حيث توثق ذاك اليوم الاستثنائي الذي انكسر فيه المحبوب القوي وبكى، وتعيد هذه اللازمة على طول الأغنية "الليلة الليلة الليلة بكى الحلو يا ويلا". هناء سلّوم الأشرطة: حفلة صافيتا + جنيت وجنوني + شيلي "حبيبي من ضلوعي مال عينو خالفت وما بيدي مال عينو وافترقنا يا زمن ولو لولف غيري مال بعينو لطفي ضو عينو بالتراب" بهذه العتابا الدراماتيكية، التي تفتتح بها سلوم شريط حفلة صافيتا الصادر عام ٢٠٠٠، تكشف المغنية، التي تعرف لأدائها في أعراس الساحل السوري وريف حماة، عن طابع خاص في أداء العتابا، إذ تركن إلى أعلى طبقات صوتها بنبرة تصل حد الصراخ، لتتناسب كلماتها ذات الوقع القوي مع مساحة صوتها الجبلي. تنحدر هناء من سهل الغاب في الريف الغربي لمحافظة حماة. بدأت مسيرتها أوائل التسعينيات بأداء مواويل، ورغم أن حضورها ظل محصورًا في نطاق الأعراس الشعبية في الساحل وحماة، فقد واصلت الغناء حتى السنوات الأخيرة، محافظةً على أسلوبها الانفعالي الصاخب الذي ميز صوتها عن غيرها من المغنيات الشعبيات. اشتهرت هناء بأداء العتابا والدبكة، وجعلت منهما عماد تجربتها. في واحد من تسجيلاتها الحديثة في كازينو بحر النجوم برفقة المغني علي ديوب، يقدّمها الأخير بموال عتابا غزلي جريء يصل في بعض عباراته إلى حد الإيروتيكية، قبل أن يسلّمها راية الغناء. غير أنّ هناء لا تكتفي بالاستجابة، وإنما ترد بموالها الخاص الذي تفتتحه بصرخة مدوّية "لاصيح صيحات البدو.. آه يا قلبي"، مظهرةً أن صوتها وصيحاتها قادرة على اختراق أصوات محاوريها في العتابا من الرجال وأن حضورها يحمل نوعًا من الهيمنة والجبروت. غناء الهامش | سناء الحسين وكوثر منصور على الحدود السورية - اللبنانية، يطل وادي خالد كفضاء منسيّ جغرافيًا ومهمّش اقتصاديًا، تحوّل في التسعينيات إلى مسرح أعراس صاخبة تُسجَّل فيها أشرطة الكاسيت. هناك، التقت أصوات نسائية مثل كوثر منصور وسناء الحسين، ورافقهن الأورغ والمجوز ليمنح السهرات طابعًا محمومًا. في حين انشغلت المدن بالذائقة الرسمية أو الطرب النخبوي، كان الهامش يبتكر فضاءً شعبيًا يعكس المزاج الحقيقي للناس، حيث يتجاور الفرح مع الشجن، والعتابا مع الدبكة. اللافت أن سكان وادي خالد أنفسهم يعيشون هوية مزدوجة: فهم سوريون لبنانيون في آن واحد، تربطهم علاقات دم ونَسَب عبر الحدود، ويعيش كثير منهم بلا أوراق ثبوتية واضحة، بين دولة تتجاهلهم وأخرى تعتبرهم غرباء. هذه الهوية الملتبسة تسللت إلى غنائهم أيضًا؛ فالأغنية هنا ليست لبنانية خالصة ولا سورية صافية، بل مزيج من اللهجتين والإيقاعين، وصوت نسائي واحد يعلو فوق الحدود. كوثر منصور الأشرطة: على جسر المسيب + عرب الشرقية + أفراح وادي خالد تُعدّ كوثر منصور من أبرز نجمات اللون الشعبي السوري، تمتلك صوتًا بدويًا يميل إلى الحدة والارتفاع كما في أصوات البدو التي وُلدت لتخترق فضاءات البرية والمضافات بلا مكبّرات صوت. لهذا يغلب على أدائها طابع النداء والصياح. في أغنياتها مثل نوح الحمام وعلى جسر المسيب (المستقاة في بعض مقاطعها من التراث العراقي)، تستدعي النواح والشجن، فيما توثّق تسجيلاتها الفرديّة في الأرشيف حضورها اللافت في غناء الموال والعتابا. كوثر عاصرت ذاك الزمن الذهبي للأغنية الشعبية، وعرفت كبار مغنيها، حتى أصبح اسمها لفترة معينة يقف إلى جانب اسمي فريحة العبدلله وسارية السواس وهذا مرده قوة هذه الأصوات واستحواذها على عالم الموسيقى الشعبية النسائية. وهيمنت هذه الأسماء على عالم المقاصف الشعبية المنتشرة بين حمص وريف دمشق والمفتوحة دائمًا للجنسيات المتنوعة. سناء الحسين الأشرطة: رقص الحجيات + أفراح وادي خالد لا تزال سناء الحسين تغني حتى اليوم، فقد أطلقت في منتصف العام الجاري ٢٠٢٥ أغنية بعنوان أنا انتهيت، وهذه المرة لم تفتتح أغنيتها بموال عتابا وإنما تعمدت الغناء باللهجة البدوية التي تتماشى مع المضمون التراجيدي للأغنية. لم تنقطع حفلات المغنية أبدًا، فقد عجت صفحاتها على السوشيال ميديا بإعلانات للمقاصف والكازينوهات التي ستحيي فيها أغنياتها، ومن هذه الأغنيات ما هو آتٍ من مطلع الألفية وآخر فهو حديث أطلقته في السنوات الأخيرة، ولديها على صفحتها على فيسبوك تنويعات عديدة لأغنيتها الأشهر، عم حسين. اتخذت سناء من العتابا ملعبًا أساسيًا لها، وميدانًا لصوتها ولأدوات تعبيرها، فهي تستخدم العتابا لتغني لكل شيء، الحب، اليأس، وذاك الغزل الكلاسيكي ببيت الشَعر وحياة البداوة. فجاء معظم رصيدها الغنائي ضمن هذا اللون، مع مواويل وأغنيات راقصة لا تزال تقدمها حتى السنوات الأخيرة في المقاصف وحفلات المناسبات، كحفلات عيد الحب. في رصيدها من الأرشيف شريط بعنوان رقص الحجيات (٢٠٠٧) يضم مقطعين من العتابا، ويكشف عن هويتها الفنية الميالة للموسيقى الاحتفالية الراقصة. في شريطهما المشترك، أفراح وادي خالد (٢٠٠٠)، التقت كوثر وسناء مع عازف الأورغ عبد الحميد كجك لإحياء عرس شعبي. يبلغ الشريط ذروته الراقصة في الوجه الثاني مع أغنية خطّابة، إحدى كلاسيكيات الدبكة السورية، حيث يتناوب الغناء مع العزف السريع في وصلات متعاقبة محمومة، تكشف عن ألفة عالية بين أصوات المغنيتين والإلكترونيات الموسيقية. أحيانًا يصعب التمييز بين صوتي سناء وكوثر في هذا التسجيل، إلى درجة اندماجهما في طيف صوتي واحد.

ميار مهنا

ميار مهنا صحفية وباحثة سورية، خريجة كلية الإعلام والمعهد العالي للفنون السينمائية (قسم السيناريو والنقد)، تهتم بكتابة مقالات تحليلية عن الثقافة الشعبية وتحولاتها، مع تركيز على السينما والذاكرة والفضاءات الاجتماعية.