نتائج البحث

Cover art for feature: FEAT_0029
Highlights image for feature: FEAT_0029

بقعة ضوء

أربعة أشرطة مجوز من أرشيفنا

أحمد القسيم - ثوبك ياللي تجرينه

مهند ناصر - الوطن غالي

فرج قداح - ليلة وليلة

محمد يعقوب حوشان، خليل حوشان ومحمد عساف - يا بنيّة

منذ اللحظة الأولى التي يُسمع فيها صوت المجوز، يشعر المستمع بأن شيئًا ما قد تغيّر في المكان. فهذا الصوت الحادّ والقوي لا يمرّ عابرًا، بل يفرض حضوره ويوقظ في النفوس إحساسًا بالفرح والحركة. يرتبط المجوز في الذاكرة الشعبية بالمناسبات السعيدة، وخصوصًا الأعراس. فكثيرون يتذكرون أول مرة سمعوا فيها هذا الصوت وهم صغار، حين كان العرس يُقام في ساحة القرية، ويقف العازف في المنتصف لينفخ في قصبتي المجوز بلا توقف. لم يكن أحد يسأل عن اسم النغمة أو المقام، فالمهم كان الشعور الذي يخلقه الصوت، والإيقاع الذي يجمع الناس حوله. يحمل المجوز في شكله البسيط حكاية تعود إلى عصور قديمة، فقصبتاه المربوطتان معًا تذكّران بآلات نفخ عرفها الإنسان منذ آلاف السنين، عندما استخدم القصب ليصنع أولى محاولاته الموسيقية. ومع مرور الزمن، استمرت هذه الآلة بالتواجد في بلاد الشام، يتناقل الناس صناعتها وعزفها من جيل إلى جيل، دون الحاجة إلى نوطات أو معاهد موسيقية. رغم بساطتها الظاهرية، لا يعد العزف على المجوز أمرًا سهلًا، إذ يحتاج العازف إلى قدرة خاصة على التحكم بالتنفس، فيما يُعرف بالتنفس الدائري، ليبقى الصوت مستمرًا دون انقطاع. وربما لهذا السبب يحظى عازف المجوز بمكانة خاصة في الاحتفالات، إذ يُنظر إليه كصاحب مهارة نادرة. مع تغيّر الزمن وتطوّر الموسيقى، لم يختفِ المجوز كما اختفت آلات تقليدية أخرى، بل وجد طريقه إلى أشكال جديدة من التعبير. فقد دخل في الأغنية الشعبية ورافق أصوات مغنّين اشتهروا بالغناء على أنغامه مثل أحمد القسيم وأحمد العلي وشرحبيل التعمري. ومن خلال هذه الأغاني، وصل صوت المجوز إلى جمهور أوسع، وبقي حاضرًا في الذاكرة السمعية للأجيال الجديدة. في السنوات الأخيرة، بدأ صوت المجوز يظهر في تجارب موسيقية حديثة، حيث تم دمجه مع إيقاعات قريبة من موسيقى التراب والراب. أعطى هذا المزج بين القديم والجديد المجوّز حياة متجددة، وأثبت أن الآلة التراثية قادرة على مواكبة العصر دون أن تفقد هويتها أو روحها. في النهاية، يبقى المجوّز أكثر من مجرد آلة موسيقية. إنه صوت الفرح الجماعي، وذاكرة المكان، وحكاية الناس التي تُروى دون كلمات. رغم تغيّر الأزمان، ما زال هذا الصوت قادرًا على جمع الناس حوله، ليؤكد أن بعض الأشياء، مهما بدت بسيطة، لا تشيخ أبدًا. إليكم أربعة أشرطة من أرشيفنا تظهر الدور الحيوي الذي لعبه المجوز في الموسيقى الشعبية السورية، خاصةً الحورانية، خلال العقود القليلة الأخيرة. أحمد القسيم ليالي الريف أحمد القسيم فنان شعبي من منطقة حوران جنوب سوريا، بدأ الغناء في الأفراح الشعبية في سن المراهقة، وكان المجوز جزءًا أساسيًا من أدائه منذ بداياته. اشتهر القسيم بالحفاظ على التراث الحوراني ونقله لجمهور واسع داخل سوريا وخارجها، خاصةً من خلال أهازيج الأعراس والحصاد والمناسبات المحلية، مما جعله واحدًا من أبرز فناني المجوز في المنطقة. في شريطه المسجّل عام ٢٠٠٨، يقدم أحمد القسيم مجوزه بحفلة مباشرة في البقعة بالأردن، مقدمًا أغانٍ بالأسلوب الحوراني التقليدي. تضمن الشريط محاورة مرتجلة ارتكزت على وصف الطبيعة والعادات الشعبية والاحتفالات المحلية، ما يعكس عمق ارتباط القسيم بالتراث الحوراني وأسلوبه الفريد في الأداء على آلة المجوز. مهند نصر مجوز في هذا الكاسيت، أبدع مهند نصر، ابن السويداء، في أداء موسيقى المجوز، مقدمًا أسلوبه الخاص المرتكز على تراث السويداء المختلف عن الأسلوب الحوراني التقليدي، لكنه حافظ على صوت المجوز الموحد في بلاد الشام. تضمن الكاسيت عزفًا مباشرًا على آلة المجوز مع تقديم الأغاني بطريقة غنائية مرتجلة، مع إبراز العادات والتقاليد المحلية، ما يعكس مهارة مهند نصر وقدرته على الجمع بين الأصالة والابتكار في الأداء. لا يقتصر ذلك على هذا التسجيل فقط، فلطالما كانت الموسيقى التراثية في السويداء مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بآلة المجوز أو اليرغول، حيث تشكل هذه الآلات عمودًا فقريًا في أغلب موسيقى السويداء التراثية، ما يعكس العلاقة المتينة بين التراث الشعبي والأدوات الموسيقية التقليدية في نقل الثقافة والعادات المحلية. فرج قداح سهم الجولان بدأ فرج قداح، ابن بلدة الحراك في حوران، مسيرته الموسيقية في أواخر الثمانينات باستخدام آلة المجوز كركيزة أساسية لأدائه الشعبي. منذ أول حفلاته المحلية، كان المجوز يرافقه مع الدرابكة والقربة، لتقديم الأغاني التراثية والأهازيج الشعبية المرتبطة بالأعراس والحصاد والعادات المحلية. من خلال هذا الأداء المباشر، تعلم فرج الإيقاع والتناغم بين أدوات الموسيقى الشعبية، محافظًا على أصالة اللون الحوراني وأهمية المجوز كعنصر محوري في الصوت والإيقاع. مع مرور الوقت، ومع دخول آلات حديثة مثل الأورغ والإيقاعات الإلكترونية، تمكن فرج من دمج المجوز مع الموسيقى المعاصرة بطريقة متناغمة، محافظًا على الطابع التراثي للأغاني. في هذا الشريط، يظهر هذا الدمج بشكل واضح، حيث يرافق غناء فرج جميع الآلات الموسيقية، ما جعل الكاسيت نموذجًا فريدًا للانتقال بين التقليدي والمعاصر، مع الحفاظ على جوهر التراث الموسيقي لمنطقة حوران.\ محمد يعقوب حوشان وخليل حوشان ومحمد عساف ملوك المجوز إذا نظرنا إلى المجوز من زاوية تراثية، نجد أنّه من لا يزالوا متمسّكين بهذا الإرث هم أهل منطقة سهل الحوران، حيث كان المجوز دائمًا رفيقًا لهم في الحفلات الشعبية. ولطالما كانت الأغاني الشعبية تنحصر في تلك المساحة المحلية، فلم يكن لها أرشيف حقيقي يصل إلى يومنا هذا، إلا من خلال أشرطة الكاسيت المهددة بالاندثار. من بين هذه الأشرطة، يبرز الكاسيت الذي جمع أبناء حوران في حفلة واحدة، حيث لم يكن يسمع في الأداء سوى صوت واحد، وهو صوت المجوز، الذي تناقلت عليه أصوات ثلاثة من أبرز مغني المنطقة، دون أن يشعر المستمع بأي انقطاع أو تغير بين وصلاتهم.

مصطفى العبد

مصطفى العبد كاتب وباحث مهتم بالموسيقى وثقافاتها، يكتب مقالات ودراسات موسيقية تُعنى بالتحليل والتوثيق واستكشاف الأبعاد الثقافية والجمالية. يدرس حاليًا الأمن السيبراني، ويجمع في اهتماماته بين البحث الموسيقي والاهتمام بالتقنية والمعرفة المعاصرة.