Cover art for feature: FEAT_0028
Highlights image for feature: FEAT_0028

بقعة ضوء

أربعة أشرطة لفؤاد غازي

لزرعلك بستان ورود

تعب المشوار

تعالى يا نوم

أغنية غير معروفة

وُلد فؤاد غازي عام ١٩٥٥ في قرية فقرو في منطقة سهل الغاب بمحافظة حماة، ونشأ في بيئة مشبعة بالمواويل والعتابا والزجل، حيث كانت الأغنية جزءًا من دورة الحياة اليومية. غزا فؤاد غازي أفئدة سميعة العتابا من أول موال ألقاه، عندما بدأ مشواره الفني مؤدّيًا في حفلات الأعراس والمناسبات الشعبية، مستخدمًا اسمه القروي فؤاد فقرو، قبل أن تُعتمد موهبته رسميًا ضمن الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون السورية، ويبدأ باستخدام اسمه الحقيقي. في الثمانينيات، بزغ نجمه بحنجرته الذهبية وصوته الجبلي القوي والخام الذي وثّق مدرسة خاصة في الغناء الشعبي السوري، وتميّز بدمج نبرة الجبل القاسية مع دفء السهل، فصنع لونًا غنائيًا فريدًا جمع بين العمق والنعومة، القوة والرشاقة، ما أكسبه ألقابًا عديدة مثل ملك العتابا وكروان الجبل. غنّى فؤاد من عمق الريف وعنه وله، للجندي الفقير والمزارع المتعب، وللأم التي تنتظر عودة ابنها، دون أن يتحول لفنان دعائي، بل بقي قريبًا من الناس، ما جعل أغنياته تحفظ على الألسنة حتى بعد رحيله. كما غنّى للفقد والغربة عن الريف كرائعته تعب المشوار، بنبرة صوته التي جمعت بين الحنين والرجولة والحب، بعيدًا عن التصنع أو الابتذال. جاءت انطلاقته الكبرى عندما جمعته الظروف مع الملحن السوري عبد الفتاح سكر، الذي لحّن له أغنية لازرعلك بستان ورود عام ١٩٨٠، لتتبعها سلسلة أغانٍ خالدة تعاون فيها مع كبار الملحنين أمثال سعيد قطب وسهيل عرفة. ورغم غيابه عن الساحة الفنية خلال التسعينيات بسبب إصابته، ظل حضوره حيًا في الذاكرة الشعبية من خلال أغانيه العاطفية والوطنية التي تردّد حتى اليوم، لا بوصفه مطربًا فحسب، بل رمزًا لمرحلة كاملة من ذاكرة الريف السوري الذي خرج منه وعرابًا للكثير من المطربين الشعبيين الذين خرجوا من تحت عباءته. نغوص في هذه القائمة بأربعة تسجيلات لفؤاد الغازي من أرشيفنا. فؤاد غازي سهرة خاصة يقدّم شريط سهرة خاصة تجربة غنائية حيّة تحمل روح جلسة طربية حميمة، حيث ينهض صوت فؤاد غازي من قلب الجبل، لا ليغني فقط، بل ليُشعل السهرة بطيفٍ واسع من الانفعالات والأغاني والمواويل. صدر هذا الشريط في دمشق عن تسجيلات الأرز، ويبدو أقرب إلى تسجيل غير رسمي لجلسة خاصة تقاطعت فيها الرفقة والموسيقى والبوح الشعبي. يستدعي فؤاد في هذا التسجيل الحميمي طيفاً من الطقوس الغنائية الشعبية التي ما تزال حتى اليوم، تتردّد في السهرات والجلسات الخاصة، كتلك التي انطلق منها فؤاد. ورغم أنها سهرة خاصة، لكنها تكشف عن كفاءة أدائية ملفتة لفؤاد، حيث يبدو كما ولو أنه يغني على المسرح. تمتزج بالشريط العتابا بالموال، وفي الكثير من مقاطع الشريط، خاصةً في العتابا والسويحلي، يظهر صوت فؤاد كصوت مألوف في سهرات البيوت الريفية، يغني وكأنه يسرد ما يمرّ به الناس حوله، وما يختلج في وجدانهم، حيث يميل الأداء أحيانًا نحو الارتجال المنضبط، سامحًا لنفسه بالتلاعب المقامي واللعب على هوامش الجملة اللحنية، ما يضفي دفئًا بشريًا قلّما يوجد في تسجيلات الاستوديو. تظهر الأغنيات هنا كأنها مسرّات صغيرة تُحكى في السمر، وتُغنّى في لحظات لا تحتاج فيها إلى فرقة موسيقية بقدر ما تحتاج إلى صدق وحضور شخصي. فؤاد غازي تعب المشوار يأتي هذا شريط الذي يحمل اسم أشهر أغاني فؤاد غازي، تعب المشوار، كوثيقة سمعية تحمل بين طيّاتها نبرة الإنهاك والعزيمة التي وسمت مشوار فؤاد غازي الفني والوجداني. في هذا الشريط الصادر من دمشق ضمن تصنيف الفولكلور السوري، يتجلّى فؤاد غازي في ذروة نضجه الصوتي، عاكسًا تركيبة صوتية نادرة توازن بين الصلابة الجبلية والانكسار الإنساني. الأغاني في هذا الإصدار مثل تعب المشوار وما ودعوني وهيه يا دنيا لا تكتفي بسرد حكايا غنائية، بل تخلق مناخًا شعوريًا كاملًا من الحنين والتوق والعتب، محمولة على أكتاف ألحان بسيطة لكن نافذة للروح. تسكن كلمات الأغاني في هذا العمل على تخوم الغربة، وتعيد استدعاء العلاقات الممزقة والأمل المعلّق، بينما يحضر العشق كعقدة مستعصية بين الريف والحياة، والوعد والخذلان، حيث تُغنّى العاطفة في أغاني هذا الشريط بلسان الفلاح والعاشق والمهجّر، بصوت من يعرف كيف يحمل الوجع دون أن يشتكي، ويغنّي للفرح دون أن ينخدع. الأداء متين، يفيض بثقة من يعرف أدواته جيدًا ويثق بجمهوره، وتبرز موهبته بوضوح إلى جانب الاستخدام الأوسع لمختلف الآلات الموسيقية. رغم الطابع الحزين الذي يسري في العديد من الأغاني مثل هيه يا دنيا، لا يغيب الحسّ الاحتفائي الذي يمنح الأغاني بعدًا حيًّا، كما لو أنها بُثّت من قلب سهرة عائلية أو سُمرة ريفية جمعت الناس حول تراثهم، حيث يقدّم فيها فؤاد غازي نفسه كراوٍ شعبي يقف في منتصف الطريق بين الماضي والذاكرة، بوصفه أرشيفًا لذاكرة فنية وجمالية خرجت من عمق الريف السوري. فؤاد غازي أجمل الأغاني باقة مدعومة من مختلف أغاني فؤاد غازي، نتعشّق فيها عمق الصوت الريفي الجبلي، الذي جسّد طيفًا واسعًا من المشاعر الشعبية والعاطفية في ثمانينيات وتسعينيات سوريا. يعرض هذا الألبوم، الصادر في دمشق عن ديسكو الشرق، مجموعة مختارة من قصائد غنائية تعبّر عن وجدان الريف وذاكرة المجتمع، من لزرعلك بستان ورود إلى صبر أيوب وجدولاتك مجنونة وما ودعوني إلى غيرها من الأغاني. تجمع الأغاني المنتقاة في هذا الشريط حالات فؤاد غازي المختلفة التي شكلت هويته الغنائية، والتي تترواح بين الفرح والحنين والحسرة، ليجد فيه المستمعون انعكاسًا لواقعهم اليومي: الحب، الغربة، الصبر، والتشبث بالجذور والأداء الصوتي يجمع بين الصلابة الجبلية والنفحة الناعمة، مما يمنح كل تتابع نغمي حضورًا مؤثرًا يعبر فيه الفنان عن عمق تجربة الريف السوري المتمثلة بالغناء البعيد عن التصنع، ولذا فهو يحمل حضورًا مألوفًا لمن عاشوا في بيئتهم المحلية، سواءًا في الساحل أو الغاب أو المدن التي هاجر إليها أهل تلك الأرياف. تظهر خصوصية الفنان بصوته وحده، دون مسايرة للموضة الفنية السائدة ذات الصيت التجاري. يشارك فؤاد متلقيه سهرًا شعبيًا يحمل فلكلور الثمانينات والذاكرة الوطنية المؤنّثة بالحسّ الريفي الجميل. كل أداء ينساب على نحو يحافظ على أصالة اللون، مع لمسات أداء مرنة تظهر الخبرة الغنائية والقدرة على التواصل مع الجمهور، ليمثّل هذا الشريط، سجلًا حيًا للحظة زمنية غنائية متماسكة وثرية في تراث الأغنية الشعبية السورية الأصيلة. فواد غازي حفلة خاصة يعود هذا الشريط النادر إلى المراحل الأولى من مسيرة فؤاد غازي، حين كان ما يزال يحمل اسمه القروي فؤاد فقرو. التسجيل ذو جودة صوت منخفضة نسبيًا، ما يرجّح أنه لم يُنتج في استوديو رسمي بل في جلسة سمر خاصة، يُسمع فيها بوضوح تفاعل الجمهور مع المواويل والردّات، ما يمنحه طابعًا شفافًا. يبدو فؤاد هنا حرًا بالكامل في الأداء، يختبر صوته ويناجي جمهوره وهو بينهم، لا على مسرح أمامهم، يحفظ هذا النوع من التسجيلات لحظة حميمية من الممارسة الشعبية التي تسبق الاحتراف والتصنيع الفني. يغلب على الشريط طابع الموال الطويل، مع مساحات واسعة مخصصة للعزف على العود، دون ترتيبات لحنية ثقيلة أو مداخلات موسيقية خارجية. يبدع فؤاد فقرو في مدّ الجملة الغنائية، مستندًا إلى الشجن والغصة الريفية، ويصل في بعض اللحظات إلى نبرة تشبه العويل، لكنها مضبوطة بإحساس لا يفلت منه المعنى. تكرار العبارات، التمهّل في الأداء، وكثافة الحزن في نبرته تجعل من الاستماع تجربة وجدانية ثقيلة، لكنها صادقة ومؤثرة. هذا الصوت – الذي لم يُطوّع بعد للميكروفونات الرسمية – يبدو هنا مصقولًا من تراب الغاب، مشبعًا بالكرامة والانكسار في آن. في سياق هذا الأداء، تتخلل الجلسة وصلات غنائية شعبية معروفة مثل هلا وهلا وعيني وغلا، ممزوجة بالمواويل، فتظهر كامتداد طبيعي للجو العام لا كفواصل مستقلة. لا توجد بنية ألبوم واضحة، بل تدفّق تلقائي كما يجري في سهرات العائلة أو القرية. كما لا يظهر فؤاد كصوت يتدرّب على المجد، بل كراوٍ شعبي يؤدّي لحظةَ حضوره الأولى، حين كان الغناء فعلاً يوميًا، لا حدثًا. وما يخلّفه هذا التسجيل، رغم خشونته التقنية، هو حضور إنساني طاغٍ لا يمكن تقليده ولا إعادة إنتاجه.

رام أسعد.

صحفي سوري مهتم بالشأن الثقافي والتاريخ الاجتماعي والذاكرة المحلية

نتائج البحث