نتائج البحث

Cover art for feature: FEAT_0023
Highlights image for feature: FEAT_0023
Highlights image for feature: FEAT_0023

مقالات

برمجة التراث:

كيف شكّل الأورغ الشعبي السوري

منذ تسعينات القرن الماضي، ظهر الأورغ كآلة ذات دور رئيسي في عدة أنماط موسيقية شعبية وتقليدية في سوريا، ولعب دورًا هامًّا وخاصًّا في انتشار وتطوّر الموسيقى الشعبية الريفية، كالدبكة بمختلف أنواعها، إضافةً إلى الأنماط المرافقة كالعتابا والمواويل. لم يكن حضور الكيبورد محصورًا في سوريا، إذ أصبح استخدامه كآلة موسيقية أساسية شائعًا في البلدان العربية الأخرى وفي تركيا ودول القوقاز والبلقان وغيرها. مع الزمن، لعبت الآلة دورًا محوريًا في تكوين أنماط موسيقية شعبية كما هو حال الدبكة في سوريا ودول الشام، وموسيقى المهرجان في مصر والراي في المغرب والجزائر، والموسيقات الشعبية المختلفة في تركيا (كالـ Horon والـ Halay ومختلف الموسيقات الشعبية الكردية)، فضلًا عن موسيقى الـ Turbo Folk في دول يوغوسلافيا السابقة. ارتبط هذا التطور بمجموعة من العوامل التقنية والاقتصادية التي أدت إلى زيادة الإتاحة وسهولة الحصول على مختلف أشكال الأورغ، كما ارتبط باهتمام الشركات المصنعة نفسها بأن توجد نسخ من الآلة تناسب الأنماط الموسيقية المختلفة عبر الجغرافيا، وهي ظاهرة تستحق دراستها بشكل منفصل، لكن في هذا المقال سأركز على محورية الأورغ في موسيقى الدبكة والأنماط المرتبطة بها في سوريا، التي تسمّى اختصارًا بالـ شعبي. أورغ؟ كيبورد؟ سينث؟ في الحقيقة، إنّ تعريف الأورغ ليس بالمسألة البسيطة، حيث عادةً ما تشمل هذه التسمية عددًا مختلفًا من الأجهزة ذات الخاصيّات والاستخدامات المختلفة. تأتي الكلمة لغويًا من الفرنسية، حيث تعني هناك آلة الأورغان القائمة على لوحة مفاتيح، وبشكلٍ أكثر تحديدًا، قد تكون أتت كاشتقاق من كلمة الأورغ الإلكتروني (Orgue Électronique) التي تصف النسخة الكهربائية من الآلة، والتي كانت شائعة في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي في موسيقات الروك والبلوز والغوسبل وغيرها. حملت غالبية هذه الآلات ضمن السياق العربي لوحات مفاتيح مشابهة للأورغان، لذلك ربما كان هذا السبب لاستخدام تسمية الأورغ الشاملة لمختلف هذه الآلات. على كلٍ، يقصد بكلمة أورغ عبر استخدامها في اللغة العربية عددًا من أنواع السنثيسايزر (Synthesizer) التي تمكّن الموسيقيين من التركيب المباشر والآني للأصوات، إمّا عبر الدارات الإلكترونية التقليدية (Analog) أو الرقمية (Digital). يشمل مصطلح أورغ أيضًا الآلات التي تعزف العلامات الموسيقية بناءً على العيّنات المسجلة والمعالجة مسبقًا (Sampling)، وتتميز هذه الآلات بقدرتها على إنشاء ودمج الأصوات وإضافة المؤثرات عليها وحفظها كإعدادات موسيقية مسبقة (Presets) يمكن استجلابها عند الرغبة. في حالة الموسيقى السورية الشعبية، فإن مصطلح الأورغ يشمل نوعًا آخرًا من الأجهزة أكثر تعقيدًا وارتباطًا بهذه الظاهرة، تحديدًا الكيبورد الموزِّع (Arranger Keyboard)، وهي آلة متعددة الأدوات، تحمل لوحة مفاتيح يمكن تقسيمها لتقوم بأدوارٍ مختلفة حسب تموضع المفاتيح، وتحمل شريحة كومبيوتر عليها برنامج يدير بنى إيقاعية كاملة، مع مرافقة يمكن تعديلها بحيث يتم إعداد قالب كامل لقطعة موسيقية معينة، من مقدمة ولوازم وإعادات وانتقالات وخواتم وسواها، إضافةً إلى قدرة العازف على استخدام عددٍ كبيرٍ من أصوات الآلات الموسيقية للأداء والمرافقة والإيقاع. تعزّز كل هذه الإمكانيات قدرة الموسيقي الواحد على القيام بأدوار عدّة موسيقيين من خلال التحضير والتعديل على القطع الموسيقية والأغاني قبل الحفلات، والأداء المرن خلال الحفلات عبر مفاتيح تسمح له بإدارة مختلف عناصر الموسيقى بشكلٍ مباشر، كما يمكن وصل كل ذلك على نظامٍ صوتيٍّ متكاملٍ دون الحاجة إلى ميكروفونات، ما يجعل الأورغ أداة ذات مرونة وإمكانيات هائلة، تختصر الحاجة إلى العديد من الموسيقيين وتحقِّق إنتاجًا صوتيًا ضخمًا بإمكانياتٍ ضئيلة نسبيًّا. لذلك أصبح الأورغ آلة ذات قيمة عالية من ناحية تقنية واقتصادية، حيث يكفي لإحياء حفلٍ كاملٍ ومتنوع عازف أورغ ومغني، وتبقى الرغبة بإضافة آلات حيّة أخرى كالعود والناي والمجوز والإيقاع مرتبطةً بالإمكانات الماديّة والرؤية الفنيّة. على كلٍ، لم تقتصر شعبية الأورغ الهائلة على الجانب العملي، إذ كان للجانب الإنشائي والإبداعي دورٌ هائلٌ في تطوّر الدور المحوري للأورغ ضمن هذا العالم الموسيقي وغيره. تمتلك هذه الآلات قدرة إنشاء وتعديل أصوات آليّة وحفظها تحت أسماء معينة ليعاد استخدامها حسب الرغبة، تسمّى هذه العملية بالتصميم الصوتي (Sound Design) وتعتبر جوهر العمل في تطور الموسيقى الإلكترونية وأجهزة السنثيسايزر بأشكالها المختلفة، حيث تصبح صناعة الصوت وتعديل دوره وآليات عمل المؤثرات عليه جزءًا من العمل الإبداعي الموسيقي نفسه، حيث لا يقتصر الإبداع على بناء الألحان والمرافقة والإيقاعات والبنى فحسب، بل يشمل إمكانية العمل على خلق أصوات جديدة لم تكن موجودة قبلًا - عبر الأدوات الكهربائية والإلكترونية، وكان لهذا العامل بالذات دورٌ محوري في تطور دور الأورغ في الشعبي. طريق وعرة رغم كل هذه الميزات التي أدخلها الأورغ على مشهد الشعبي السوري، لم يمر دخول الآلة على المشهد دون ردود فعل سلبيّة من قبل جمهور كبير من النقّاد. عبّر البعض عن تحفظهم إزاء الآلة لكونها تنتج موسيقى "مشوّهة" لا تمثّل التراث، أو كونها ضجّة أكثر من كونها موسيقى، فضلاً عن اتهامها بالبساطة مقارنةً بباقة الموسيقى العربية التقليدية، كون الكثير من عازفي الأورغ لا يمتلكون تدريبًا أو تعليمًا موسيقيًا رسميًا لافتقار الموسيقات الشعبية في سوريا لنظامٍ مكتوب عن السلالم والمقامات والقوالب. لكن هذا الطرح يفتقد لفهم السياق الذي ولدت وتطورت فيه الموسيقات الشعبية في سوريا، والذي يمكن فهمه بشكلٍ مباشر دون وضعه في إطار منافسة أو ندّيّة لباقي المدارس الموسيقية في المنطقة، من حيث ارتباطه بالتراث الشعبي ومحاولته إنتاج طرح موسيقي ضمن الإمكانيات التقنية والمادّيّة لتلك الفترة الزمنية، فضلًا عن عدم وجود مرجع لبحث الجانب الإبداعي في تصميم الأصوات وبرمجتها ضمن السياق العربي، حيث يمكن للمهتمين بتاريخ الموسيقى الكهربائية والإلكترونية ملاحظة تقارب كبير بين التطور الموسيقي المهول الذي صنعه الأورغ في في الموسيقى الشعبية وبين الظاهرة المشابهة لتطور الموسيقى الإلكترونية وما حولها في القرن الماضي. يمكن النظر إلى استخدام الأورغ في الموسيقى الشعبية في سوريا والمنطقة من منظورٍ خارجي، حيث يمكن إعادة استكشاف الآلة والبحث في تفاصيلها والاستفادة منها كمرجعٍ في تطوّر الأفكار الموسيقية عبر تصميم الصوت، بطريقة لا نراها عادةً في الموسيقى العربية، خاصةً الكلاسيكية. هناك أيضًا فائدة كبيرة في الأورغ للبحث الموسيقي الثقافي والتاريخي ضمن الألحان والأصوات التي مكّنتها هذه الآلة، حيث تعد سجلًا عميقًا لكمٍّ هائلٍ من الألحان والإيقاعات والقوالب الآلية والغنائية القادمة من التراث، والتي لا يوجد لبعضها أي تسجيل، إنما نقلتها ذاكرة هؤلاء العازفين في موسيقاهم وتجاربهم. كما يجدر الذكر أنّ الأجيال الأصغر سنًّا في سوريا والمنطقة كانت قادرة على استيعاب مختلف الظواهر الموسيقيّة المحلّيّة، ومتصالحة مع أنّ الموسيقى كباقي الفنون في حالة تطور وتغير مستمرة مع تغير الأدوات والأساليب. الحاجة أُمّ الانتشار تلعب آلات النفخ ذات الأصوات الحادة القوية والعالية دورًا حاسمًا في موسيقى الدبكة التقليدية، كالزورنا (الزمر) والمجوز والشبابة واليرغول وغيرها، بل ربما لها الدور الأهم حتى مقارنةً بالغناء، وخاصةً من حيث ارتباطها بالإيقاع، حيث يعد عزف هذه الآلات بمثابة إعلان بدء الدبكة، سواءً لدورها في شد الانتباه أو بتأدية الألحان المنفردة التي تسمّى محليًّا بـ التشييلات. تعطي التشييلات الضوء الأخضر للدبيكة بقيادة المشهد، حيث ينتظر الدبيكة نهاية الغناء وبدء التشييلات حتى تتسارع خطواتهم وتبدأ الرقصة. تتميز التشييلات ببنيات وتزيينات محددة تستخدم سلالم متنوعة، منها ما قد لا يكون مألوفًا حتى للأذن الشرقية التقليدية، وهي بنى تكرارية وطويلة قد تدوم لعشرات الدقائق، تحمل طاقة عالية عبر القوالب والإيقاعات المختلفة للدبكات. لكن عند وصول الأنظمة والمكبرات الصوتية للمنطقة، بدأت المشاكل بالظهور عند محاولة استخدامها مع هذه الآلات بسبب الخصائص الصوتية غير المعتادة كالطبقات الحادة والترددات العالية التي قد لا تترجم بشكلٍ مقبول عبر المايكروفونات المتواضعة، إذ يحتاج تسجيل هذه الأصوات لعناية خاصة وأدوات ذات جودة عالية. لهذا السبب تحديدًا، شكّل الأورغ بديلًا ممتازًا عن الآلات النفخية، حيث يتجاوز كل الصعوبات التقنية كونه جهازًا إلكترونيًا يمكن وصله مباشرةً بالأنظمة الصوتية دون عناء. بالإضافة إلى ذلك، طرحت العديد من أجهزة الأورغ في الأسواق العربيّة مع أصوات آلات مناسبة للموسيقات التقليدية في المنطقة، كالعود والناي والقانون والوتريات الشرقية، بل حتّى المجوز والزمر. لكن جودة هذه الأصوات، القائمة على العيّنات الصوتية، بقيت محدودةً بالإمكانات التكنولوجية البسيطة لهذه الأجهزة عبر تسعينيات القرن الماضي، فضلًا عن أن الشركات المصنعة كانت قد بدأت للتو باستكشاف الأسواق العربية، ولم تتح لها الفرصة للتفاعل وتطوير الأدوات كما حدث في السنوات اللاحقة. في مواجهة هذا الواقع التقني، بدأ عددٌ من عازفي الأورغ باستكشاف خيارات أخرى ضمن آلاتهم التي لم تصنع بهدف استخدامها في الموسيقى الشعبية، وهي الأصوات الإلكترونية من عائلة آلات السنثيسايزر، بالتحديد فئة محدّدة من هذه الأصوات تستخدم بشكلٍ مباشر لأداء الألحان وتعرف بالأصوات القياديّة (Lead Synth)، وهي أصوات أحاديّة (لا يمكن لها أن تؤدي علامتين موسيقيتين مختلفتين بنفس الوقت كما هو حال الكثير من الآلات النفخية المذكورة أعلاه) تشمل الكثير من الأصوات ذات الطبقات العالية والحادة، ما منحها خصائصًا مشابهةً للآلات النفخية التي تستخدم للتشييلات. بدأ عازفو الأورغ باستخدام هذه الأصوات وإمكانياتها الكبيرة ومؤثراتها الضخمة لأداء التشييلات بدلاً من الآلات التقليدية، وفتح ذلك بوابة الإبداع في التصميم الصوتي، الذي سمّي محليًّا بـ برمجة الأصوات. قصّة أورغين شهدت الموسيقى الشعبية السورية ظهور واستخدام العديد من أجهزة الأورغ، إلا أن جهازان كان لهما النصيب الأكبر من الأهمية في تاريخ تطور هذه الموسيقى: كيترون ڤيغا وكورغ ترينيتي في ثري. لا يزال بعض أكبر العازفين في المجال يستخدمون إحدى أو كلتا الآلتين في إنتاجهم وفي حفلاتهم الموسيقية. كيترون ڤيغا (Ketron Vega) هو جهاز كيبورد موزّع طرحت أوّل نسخة منه عام ١٩٩٨ وتلته عدّة إصدارات لاحقة. يمكن رؤية هذا الجهاز على صورتي الشريطين لعازف الأورغ طلال الداعور والمغني وفيق حبيب. لا يمكن التقليل من قيمة الكيترون في تأسيس وتطوير الموسيقى السورية الشعبية منذ نهاية التسعينيات وبداية الألفية. لهذا الجهاز مجموعة من الخصائص جعلته المرشح المثالي لحقل التجارب في تطوّر الموسيقى الشعبية في سوريا والجوار، حيث صدر مع مجموعة من الإعدادات المناسبة للموسيقات التقليدية في الشرق الأوسط، كوجود إيقاعات معروفة مثل اللف والبلدي والصعيدي وغيرها، فضلًا عن استخدام آلات إيقاعية محليّة كالدف والدربكة والكاتم وأهمّها الطبل. أتاح الـ كيترون ڤيغا لعازفي الكيبورد إمكانية إنشاء إيقاعات إضافية بما يناسب موسيقى الدبكة بقوالبها المختلفة - كدبكة العرب والولدة والنشلة والخميسية وغيرها، وبناء المرافقة الموسيقية متعددة الأصوات كما يرونها مناسبة لهذه الإيقاعات، حيث يمكن فصل القسم الأيسر من لوحة المفاتيح لجعلها تغير العلامات الموسيقية وكتل الهارموني (الكوردات) لترافق التشييلات والغناء، كما يمكن برمجة شكل وإيقاع هذه المرافقة باختيار العلامات وتغييرها بشكل آني، كذلك يمكن للعازف أن يحضّر بنية الدبكة والتغييرات التي قد تطرأ عليها تبعًا للحاجة. ارتبط المجال الأكبر للإنشاء والإبداع باستخدام كيترون ڤيغا بأصوات التشييلات. وبينما كان من الممكن استخدام الإعدادات الأصلية لأصوات الآلات كالمجوز والزمر، فضّل المنتجون العمل على السينثيسايزر الإنفرادي نظرًا للإمكانات الكبيرة الممكنة في تغييره وتعديله، إضافةً إلى مزجه مع أصوات الآلات التقليدية وإضافة المؤثرات الصوتية. في أحد الأمثلة، يستخدم صوت السنثيسايزر الانفرادي الذي يسمّى بـ أسنان المنشار (Sawtooth)، مع إضافة مؤثرات إلكترونية كـالـ Delay و الـ Reverb والـ Chorus وغيرها لإنشاء صوت قوي ومباشر ذو حجم كبير وطبقة عالية، قد يستخدم لمدة طويلة في أداء التشييلة. وبما أن الجهاز طرح لأسواق الموسيقى العربية، كان من السهل إضافة أرباع الصوت لتناسب السلالم المختلفة في الموسيقى الشعبية. مزج العازفون هذه التشكيلات مع أصوات العينات للمجوز والزمر وحتى آلات غير عربية، لإنشاء أصوات جديدة حملت أسماءًا مختلفة. كما كان بعض العازفين ينشؤون تشكيلاتهم الصوتية ويحفظونها على أقراص الـ Floppy التي يقرؤها الجهاز، والتي يمكن نسخها وتداولها بين العازفين. بهذه الطريقة، صار بإمكان سماع الصوت الذي تم تصميمه لحفلة معينة ينتشر في مختلف أرجاء سوريا والمنطقة نتيجةً لنجاحه وشعبيّته. رغم أن جهاز الكيترون لعب دورًا أساسيًا في هذا التطور، إلا أن جانب تصميم الأصوات فيه كان محدودًا نظرًا لأنه كان قائمًا على عيّنات صوتية مسبقة، ولم يتمتع بإمكانية السينثيسايزر في إنتاج الأصوات آنيًّا عبر الدارة الإلكترونية أو الرقمية. هذا النقص سيملؤه البطل التالي من القصة. كورغ ترينيتي ڤي ثري هو آلة مفتاحية تشبه بشكلها الأصلي آلة الـ ڤيغا، حيث أنها تشمل أصوات آلات مبنية على العيّنات المسجلة لكن بشكلٍ أوسع من ناحية الكم. أصدرت شركة كورغ اليابانية أقدم طراز من الآلة عام ١٩٩٥ بنسخ مهيئة للشرق الأوسط، بما يشمل أصوات آلات تقليدية مناسبة للموسيقات العربية. على كلٍ، امتازت الآلة بميزتين جعلتها أكثر مناسبةً للاستخدام في الموسيقى الشعبية. فمن ناحية، أتاحت الآلة القدرة على بناء دوزان مرن لكل علامة من السلّم الموسيقي بشكلٍ منفرد، أي أنه يمكن التحكم بارتفاع أو انخفاض العلامة بشكلٍ أكثر دقة من الربع بعد المألوف في النظرية الموسيقية العربية، وهو شيء مناسب جدًّا لعددٍ من السلالم والمقامات الموسيقية المستخدمة في الموسيقى الشعبية التي لا تتبع القواعد النظرية للمقامات العربية التقليدية، ما جعل الكورغ ملائمًا للغاية لأداء الألحان على الكثير من الآلات الشعبية كالزمر والمجوز والربابة والشبابة وغيرها. من ناحية أخرى، أتاحت الآلة إمكانية إضافة شريحة توليد أصوات رقمية (سينث) ببرنامج كامل، ما يوسّع إلى مدىٍ كبير مدى التحكم بطبيعة الأصوات المصنوعة وغناها، فضلًا عن القدرة بالتحكم بالأداء للعازف كون الأصوات آنية التوليد ولا تعتمد على العيّنات المسجّلة مسبقًا، وإن كان هناك إمكانية لدمجها. صدرت هذه الشريحة الإضافية تحت اسم MOSS: Multi-Oscillator Synthesis System، أو نظام تذبذب الأصوات المتعدد. عُرِفت هذه الشريحة محلّيًّا بين عازفي الأورغ باسم الـ ماوس، وكان لها القيمة الأكبر من حيث تمكنها من توسيع أفق تصميم الأصوات، إذ تتمتع بأضعاف قدرات البرمجة وصناعة الأصوات مقارنةً بالـ ڤيغا، بالإضافة إلى قدرة نسخ الأصوات المصممة ونشرها. مع الوقت، بات من المألوف أن يستخدم العازفون المحترفون الجهازين معًا: الـ ڤيغا للإيقاعات والبنية الموسيقية والمرافقة، والـ ڤي ثري لأداء الألحان والتشييلات، وبقيت هذه الترتيبة مرجعًا للكثير من العازفين لسنواتٍ طويلة. من الجدير بالذكر أن أصوات التشييلات المختلفة على الأورغ تسمّى عمومًا بالـ الزمّر مهما كانت طبيعتها، حيث أصبح يقصد بمصطلح الزمر الصوت واللحن الخاص وامتزاجهما من أجل أداء التشييلة في الدبكة أو مع مرافقة العتابا، كما أصبح تصميم أصوات الزمر و"مبرمجيه" محور التطوير الفني والتقني. ربما كان عازف الأورغ الشهير طلال الداعور أهم موسيقي عمل ضمن هذه الترتيبة، إذ صمّم مجموعة كبيرة من الأصوات التي تستخدم بشكلٍ مستمر بدءًا من نهاية التسعينيات وحتى يومنا هذا، والعمل الذي قام به الداعور يستحق بحثًا مفصّلًا نظرًا لكثافته وسعة أثره. منذ منتصف العشريّة الأولى للقرن الواحد والعشرين، بدأت آلات جديدة بالظهور، تصنعها شركات مختلفة تتابع الحاجات التقنية والفنّيّة لعازفي الأورغ في المنطقة، لكن بعض أكبر العازفين لا يزالوا يحتفظون ويستخدمون الآلتين السابقتين نظرًا لإرثهما الكبير.

حسّان علي

حسّان علي موسيقي سوري مقيم في فرنسا، حاصل على الإجازة الجامعية في الدراسات الموسيقية (Musicology) وعلى شهادة ماجستير في مجال التأليف الموسيقي للفنون البصرية.